أبي نعيم الأصبهاني

65

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

تلك الوليمة أشدهم تجويعا لنفسه ومخالفة لها فإنه ليس أمر من أمور الطاعة إلا وأنتم تحتاجون أن تخرجوه من بين ضدين مختلفين بجهد شديد ، وسأظهر لكم هذا الأمر فأنى وجدت أمر الإنسان أمرا عجيبا ، قد كلف الطاعة على خلاف ما كلف سائر الخلق من أهل الأرض والسماء فأحسن النظر فيه وليكن العمل منك فيه على حسب الحاجة منك إليه ، واستعن باللّه فنعم المعين ، واعلم أنك لم تسكن الدنيا لتتنعم فيها جاهلا وعن الآخرة غافلا ولكنك أسكنتها لتتعبد فيها عاقلا وتمتطى الأيام إلى ربك عاملا ، فإنك بين دنيا وآخرة ولكل واحدة منهما نعيم وفي وجود إحداهما بطول الأخرى فانظر أن تحسن طلب النعيم ، فقد حكى عن إبراهيم بن أدهم أنه قال : غلط الملوك طلبوا النعيم فلم يحسنوا . وعلى حسب اقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من اللّه ، وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من اللّه ، وكما كان معدوما وجود نفسك في مكانين فكذلك معدوم وجود قلبك في دارين ، فان كنت ذا قلبين فدونك اجعل أحدهما للدنيا وأحدهما للآخرة ، وإن كنت ذا قلب واحد فاجعله لأولى الدارين بالنعيم والمقام والبقاء والانعام . واعلم أن النفس والهوى لا تقهران بشيء أفضل من الصوم الدائم ، وهو بساط العبادة ومفتاح الزهد وطلع ثمرات الخير ، وأجساد العمال من شجراته دائم الجذاذ دائم الاطعام ، وهو الطريق إلى مرتبة الصديقين وما دونه فمزرعة الاعمال ، فثمر غرسها وربيع بذرها في تركها وفقدها في أخذها وليس معنى الترك الخروج من المال والأهل والولد ولكن معنى الترك العمل بطاعة اللّه وإيثار ما عند اللّه عليها مأخوذة ومتروكة فهذا معنى الترك لا ما تدعيه المتصوفة الجاهلون . أنت من الدنيا بين منزلتين فان زويت عنك كفيت المؤنة ، وان صرفت إليك ألزمتها طاعة مولاك ، وان كانت طاعتك للّه في شأنها تصلحها ومعصيتك للّه في أمرها يفسدها ، فدع عنك لوم الدنيا واحفظ من نفسك وعملك ما فيه صلاحها فان المطيع فيها محمود عند اللّه إنما تلزمه التهمة وعيب الأخذ لها إذا خان اللّه فيها ، لان الدنيا مال اللّه والخلق عباد اللّه . وهم في هذا المال صنفان خونة وأمناء ، فإذا وقع المال في